الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

313

نفحات القرآن

وكذا في الفارسية كناية عن شدة التأسف والانزجار ، وقد شوهد أنّ كثيراً من الناس إذا ما واجهوا مصيبة عظيمة ناشئة عن سوء عملهم وجهلهم عضّوا على أيديهم أو أصابعهم أو ظاهر أكفّهم ، وكأنّهم يريدون عقاب أيديهم لأجل قيامها بهذا العمل . إلّا أنّ المصيبة إذا لم تكن شديدة جدّاً اكتفوا بعضّ أناملهم كما قال القرآن حاكياً حال الكفار في الآية 119 سورة آل عمران : « وَاذَا خَلَوا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ » ، أو اكتفوا بعضّ ظهر احدى اليدين ، أمّا إذا كانت المصيبة شديدة جدّاً فتارة يعضّون أيديهم اليسرى وأخرى أيديهم اليمنى ، والذي جاء في الآية الكريمة هو « يَدَيْه » وهذا يكشف عن أنّ المصيبة عظيمة للغاية يوم القيامة ، وغالباً ما يقترن العضّ بالتفوه بجمل وأقاويل مفهومها التوبيخ للنفس ، ويتحد حينها الكلام مع السلوك في ابراز الغضب . ويقولون عندها : « لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ معَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ اذْ جاءَنِى » إلّاأنّ هذا الخليل ما سمح لهم باليقظة . وعلى هذا ، فهم يعدّون الخليل الضال هو السبب الأساسي لشقائهم ، حيث جعل حجاباً أمام أفكارهم وعقولهم حال دون رؤيتهم لجمال الحق . وهنا أقوال في المراد من « فلان » : احتمل البعض أنّه الشيطان ، حيث ينتخبه الإنسان - أحياناً خليلًا ، وذلك بقرينة قوله في ذيل الآية : « وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا » . ويقول البعض : إنّ المراد منه هو نفس الشخص الذي نزلت في شأنه الآية ، أي « عقبة » وهو أحد الكفار المعروفين ، أَسْلَمَ وارتد عن الإسلام وتخلى عن الرسول لأجل خليله « أبي » ، وقتل في معركة بدر ، بينما قُتِل أبي في معركة أُحد « 1 » . لكن الظاهر أنّ مفهوم الآية - كما يقول البعض - كلّي شامل لجميع الأصدقاء الضالين والموسوسين ، وأنّ شأن النزول لا يُخصّصُ الآية أبداً ، خصوصاً وأنّ لمفردة

--> ( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ذيل نفس الآية مورد البحث ويقول البعض : إنّ « أُبي » الإنسان الوحيد الذي قتله الرسول بيده طيلة عمره الشريف ( تفسير روح البيان ، ج 6 ، ص 205 ) .